جلال الدين السيوطي

13

الاكليل في استنباط التنزيل

وروى البخاري عن ابن مسعود قال : لعن اللّه الواشمات والمستوشمات والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق اللّه « 1 » ، فقالت له امرأة في ذلك فقال : وما لي لا ألعن من لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في كتاب اللّه ؟ فقالت لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول . قال لئن قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت بلى ، قال فإنه قد نهى عنه . وقال ابن برّجان . ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من شيء فهو في القرآن أو فيه أصله قرب أو بعد . فهمه من فهم ، أو عمه « 2 » عنه من عمه ، وكذا كل ما حكم أو قضى به . وقال غيره : ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه اللّه تعالى . حتى أن بعضهم استنبط عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا وستين من قوله في سورة المنافقين : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها « 3 » فإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده . وقال المرسي : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به ، ثم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، خلا ما استأثر به سبحانه ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ، ومثل ابن مسعود وابن عباس حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه ، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان ، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه ، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة ، بفن من فنونه فاعتنى قوم بضبط لغاته ، وتحرير كلماته ، ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه

--> ( 1 ) الوشم : غرز اليد وغيرها من أعضاء البدن بإبرة ، ثم ذرّ الصباغ الأزرق عليها ، لتجعل مكانها رسوما وخطوطا زرقاء أو خضراء . والواشمة : التي تفعل هذا لغيرها . والمستوشمة : التي تطلب ذلك لنفسها . والنّمص : نتف شعر الحاجبين . والمتنمّصة : التي تنتف شعر جبينها وحاجبيها بخيط ونحوه . والفلج : تباعد ما بين الساقين أو اليدين أو الأسنان خلقة . وفي الأسنان خاصة : تباعد ما بين الثنايا والرباعيات . والمتفلّجة : التي تتعمّد صنع الفرج بين أسنانها بمبرد ونحوه . وقد وصف النبيّ الكريم ذلك كلّه ، بأنه تغيير لخلق اللّه ، أعاذ اللّه نساء المسلمين من ذلك كله . ( 2 ) عمه - من باب طرب - ، عمها : إذا تحيّر وتردّد ، فهو عمه وعامه ، والجمع : عمّه . وقد جاء في القرآن الكريم [ الحجر : 72 ] : إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ . ( 3 ) سورة ( المنافقون ) : 11 .